فاجأتني قطرات المطر وأنا أنتظر بملل مرور سيارة أجرة. رفعت ياقة معطفي وخفضت رأسي.أخرجت منديلي ومسحت به تلك القطرات الباردة التي انحدرت من أعلى رأسي لتصل الى ذقني.
أخرجت يدي من جيب معطفي وخطوت خطوتين نحو الرصيف, وأنا ألمح سيارة الأجرة قادمة نحوي.فتحت الباب بأيدي مرتبكة, لأسقط بجسدي المرتعش على الكرسي وأنا أحاول أن لاأسقط على أرضية الشارع.
"أين تريدين أن أوصلك آنستي؟!"
صدى السؤال ظل يتردد بداخلي لحظات,
"آنستي..هل أنتي بخير؟!"
نعم هذا الشخص يسألني هل أنا بخير, تبا لهذا الجو, ولهذه الأمطار التي تبلل قسمات وجهي.
" نعم سيدي..شكرا..أنا بخير.."
"ماهو العنوان؟!"
هاهو سائق التاكسي يعاود نفس السؤال, الذي ظل ساعات يلح علي, الى أين؟!!
"الى محطة الشمال سيدي.."
"حاضر"
أحسست بغصة في حلقي. انسابت قطرات ساخنة على خدي, ارتعشت شفتاي. لا .. أنا لا أبكي..انه المطر..
نعم هي دموع..أكيد من برودة الجو.
اعترتني رغبة في النظر خلفي. هل أجرؤ؟
اختلست نظرة للوراء..ضباب..ظلام..وزخات المطر تطرق نوافذ السيارة.
لكنني مازلت اسمع صدى صوته..وهو يعلن اعترافه..قبل أن يعلن قراره الأخير.
هل أنا مجنونة,غبية, عندما خرجت وحدي في قلب الليل؟! لم لم أتركه هو من يغادر الشقة؟
لم؟!! وضعت يدي على فمي لأكتم صرخة باكية, واستدرت بحنق.
"آنستي..هل استطيع مساعدتك؟"
أحسست بعجز لم أحس بمثله من قبل. حملقت في الطريق, وبدت لي في البعيد أنوار كثيرة تقترب, وازداد اختناقي, واحمرا خداي خجلا. رفعت رأسي قليلا, لا فائدة, لن أترك سائق السيارة يسخر من ضعفي هو الآخر. رفعت رأسي أكثر, وأزحت خصلات شعري المبلل من على وجهي, ليرى السائق ابتسامتي المصطنعة.
"شكرا سيدي..فأنا بخير"
غمرني احساس غريب. لم أبتسم منذ وقت طويل, منذ ذلك اليوم, منذ ان كنت متوجهة الى شقة صديقتي, ورأيته برفقتها. شابة في العشرينات, شقراء, ذات قوام جميل, وملامح أجمل.
منذ ذلك اليوم نسيت كيف تصفو النفس ويطمئن القلب, نسيت...كم من الأشياء نسيت!
كم كنت مخطئة حين فكرت أنني سأكسبه بذكائي, وبتجديد أسلوب حياتي معه.
آه كم كنت غبية يوم فكرت أن أقص شعري مثلها, وأن أصبغ خصلاتي بنفس لون شعرها.
آه كم كنت مخطئة حين فكرت أنني سأكون هي, فكيف أكون هي..وأتجرد من الأنا؟!
رفعت رأسي لأعلى وأغلقت عيني. عندما تعبت من الانتظار, وطال صمته, وازداد بعده عني, واجهته بحقيقة ماأعرفه ومااكتشفته بالصدفة. تنفس الصعداء وأطلق تنهيدة, كمن يرتاح بعد عذاب طويل.
"ولأنك تعرفين, فالمسألة أصبحت أسهل مما توقعت"
"ومتى كنت تنوي اخباري بها؟!"
"منذ البداية..لكنني كنت سأواجه مشاكل كثيرة مع والدي بسبب ديانتها..وتقاليدها"
"وكنت أنا ضحيتك..فقط حتى لا يعرف والدك؟!"
" أرجوك..افهميني.."
"نعم يازوجي العزيز..لك أنت حياتك..نزواتك..رغباتك..وحبك القديم للشقراء.. ولزوجتك الغبية البيت وتحضير الطعام لك كل مااشتهيته.. أوتأتي اليها كلما اشتهيت لحم من نوع آخر"
"عزيزتي..لاأنكر أنني أحببتك أيضا.."
قاطعته بحدة وسخرية:
" يآآه كم أنت لطيف حقا.. وأحببتني أيضا؟!!"
" سناء..اسمعيني أرجوك.."
أحسست بغصة تخنق عباراتي, وبالدمعة تعلن القدوم لعيناي, فجأة دفعته عني بعنف, حملت معطفي ومحفظتي اليدوية واتجهتُ للباب.
عندما نزلت الى الشارع في قلب الليل, وتحت زخات المطر, قررت أن تكون هناك نهاية, ولم أدرك أنها البداية فقط لمشوار طويل جدا في غربة الروح عن الجسد
منقول