بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العنوان:
الأخلاق
الموضوع:
وسائل علاج الغضب
السؤال؟
إنني شديد الانفعال ، سريع الغضب ، وإذا حصل لي استفزاز ،
فسرعان ما أثور فأكسر وأشتم وألعن وأرمي بالطلاق وقد سببت لي هذه
المشكلة حرجاً كبيراً ، وكرهني أكثر الناس ، حتى زوجتي وأولادي وأعز
أصدقائي ، فماذا أفعل للتخلص من هذا الداء الوبيل وإطفاء هذه النار
الشيطانية ؟
اما الرد او الجواب
يقول الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية :
الغضب نزغة من نزغات الشيطان ، يقع بسببه من السيئات والمصائب ما لا
يعلمه إلا الله ، ولذلك جاء في الشريعة ذكر واسع لهذا الخلق الذميم ، وورد
في السنة النبوية علاجات للتخلص من هذا الداء وللحد من آثاره ، فمن ذلك :
1- الاستعاذة بالله من الشيطان: عن سليمان بن صرد قال : كنت جالساً مع
النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان ، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت
أوداجه ( عروق من العنق ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم
كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد ، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما
يجد ) . رواه البخاري ، الفتح 6/377 .
2- السكوت :
قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا غضب أحدكم فليسكت ) رواه الإمام
أحمد.
وذلك أن الغضبان يخرج عن طوره وشعوره غالباً فيتلفظ بكلمات قد يكون
فيها كفر والعياذ بالله أو لعن أو طلاق يهدم بيته ، أو سب وشتم يجلب له
عداوة الآخرين ، وبالجملة فالسكوت هو الحل لتلافي كل ذلك .
3- السكون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا غضب أحدكم وهو
قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) .
ومن فوائد هذا التوجيه النبوي منع الغاضب من التصرفات الهوجاء لأنه قد
يضرب أو يؤذي بل قد يقتل كما سيرد بعد قليل وربما أتلف مالاً ونحوه ،
ولأجل ذلك إذا قعد كان أبعد عن الهيجان والثوران ، وإذا اضطجع صار أبعد
ما يمكن عن التصرفات الطائشة والأفعال المؤذية ، قال العلامة الخطابي
رحمه الله في شرحه على أبي داود : ( القائم متهيئ للحركة والبطش والقاعد
دونه في هذا المعنى ، والمضطجع ممنوع منهما ، فيشبه أن يكون النبي صلى
الله عليه وسلم إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه
وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد ) . والله أعلم سنن أبي داود ، ومعه
معالم السنن 5/141 .
4- حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني
قال : لا تغضب ، فردد ذلك مراراً ، قال : لا تغضب رواه البخاري فتح الباري
10/465 .
5- لا تغضب ولك الجنة حديث صحيح :
صحيح الجامع 7374 ، وعزاه ابن حجر إلى الطبراني ، انظر الفتح 4/465
إن تذكر ما أعد الله للمتقين الذين يتجنبون أسباب الغضب ويجاهدون
أنفسهم في كبته ورده لهو من أعظم ما يعين على إطفاء نار الغضب ، ومما
ورد الأجر العظيم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ومن كظم غيظاً ، ولو شاء
أن يمضيه أمضاء ، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة رواه الطبراني .
وأجر عظيم آخر في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كظم غيظاً وهو قادر
على أن يُنفذه ، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره
من الحور العين ما شاء ) رواه أبو داود .
6- معرفة الرتبة العالية والميزة المتقدمة لمن ملك نفسه :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد
الذي يملك نفسه عند الغضب ) رواه أحمد 2/236 والحديث متفق عليه وكلما
انفعلت النفس واشتد الأمر كان كظم الغيظ أعلى في الرتبة ، قال عليه
الصلاة والسلام : ( الصرُّعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ،
ويقشعر شعره فيصرع غضبه ) رواه الإمام أحمد.
وينتهز عليه الصلاة والسلام الفرصة في حادثة أمام الصحابة ليوضح هذا
الأمر ، فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يصطرعون ، فقال : ما
هذا ؟ قالوا : فلان الصريع ما يصارع أحداً إلا صرعه قال : أفلا أدلكم على
من هو أشد منه ، رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان
صاحبه ) رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن.
7- التأسي بهديه صلى الله عليه وسلم في الغضب :
وهذه السمة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، وهو أسوتنا وقدوتنا ، واضحة
في أحاديث كثيرة ، ومن أبرزها : عن أنس رضي الله عنه قال : كنت أمشي مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه
أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله
عليه وسلم " أي ما بين العنق والكتف " وقد أثرت بها حاشية البرد ، ثم
قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه النبي صلى الله
عليه وسلم فضحك ، ثم أمر له بعطاء رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن.
ومن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم أن نجعل غضبنا لله ، وإذا انتهكت
محارم الله ، وهذا هو الغضب المحمود فقد غضب صلى الله عليه وسلم لما أخبروه
عن الإمام الذي يُنفر الناس من الصلاة بطول قراءته ، وغضب لما رأى في بيت
عائشة ستراً فيه صور ذوات أرواح ، وغضب لما كلمه أسامة في شأن المخزومية
التي سرقت ، وقال : أتشفع في حد من حدود الله ؟ وغضب لما سُئل عن أشياء
كرهها ، وغير ذلك ، فكان غضبه صلى الله عليه وسلم لله وفي الله .
8- معرفة أن رد الغضب من علامات المتقين :
وهؤلاء الذين مدحهم الله في كتابه ، وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم
، وأعدت لهم جنات عرضها السماوات والأرض ، ومن صفات أنهم : ) ينفقون في
السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين )
وهؤلاء الذين ذكر الله من حسن أخلاقهم وجميل صفاتهم وأفعالهم ، ما تشرئب
الأعناق وتتطلع النفوس للحوق بهم ، ومن أخلاقهم أنهم : ( إذا ما غضبوا هم
يغفرون ) .
9- التذكر عند التذكير :
الغضب أمر من طبيعة النفس يتفاوت فيه الناس ، وقد يكون من العسير على
المرء أن لا يغضب ، لكن الصدِّيقين إذا غضبوا فذُكروا بالله ذكروا الله ووقفوا
عند حدوده ، وهذا مثالهم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً استأذن على عمر رضي الله عنه فأذن له
، فقال له : يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل " العطاء الكثير " ولا
تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به ، فقال الحر
بن قيس ، وكان من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه
صلى الله عليه وسلم : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وإن
هذا من الجاهلين ، فو الله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه ،
وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل رواه البخاري الفتح 8/304 . فهكذا يكون
المسلم ، وليس مثل ذلك المنافق الخبيث الذي لما غضب أخبروه بحديث النبي
صلى الله عليه وسلم وقال له أحد الصحابة تعوذ بالله من الشيطان ، فقال لمن
ذكره : أترى بي بأس أمجنون أنا ؟ اذهب رواه البخاري.
10- معرفة مساويء الغضب :
وهي كثيرة مجملها الإضرار بالنفس والآخرين ، فينطلق اللسان بالشتم
والسب والفحش وتنطلق اليد بالبطش بغير حساب ، وقد يصل الأمر إلى القتل ،
وهذه قصة فيها عبرة .
> عن علقمة بن وائل أن أباه رضي الله عنه حدثه قال : إني لقاعد مع النبي
صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة " حبل مضفور " فقال : يا
رسول الله هذا قتل أخي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقتلته ؟ قال :
نعم قتلته ، قال : وكيف قتلته ، قال : كنت أنا وهو نتخبط ( نضرب الشجر
ليسقط ورقه من أجل العلف ) من شجرة ، فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على
قرنه ( جانب الرأس ) فقتلته .. إلى آخر القصة . رواه مسلم في صحيحه 1307
.
وقد يحصل أدنى من هذا فيكسر ويجرح ، فإذا هرب المغضوب عليه عاد
الغاضب على نفسه ، فربما مزق ثوبه ، أو لطم خده ، وربما سقط صريعاً أو
أغمي عليه ، وكذلك قد يكسر الأواني ويحطم المتاع .
ومن الأمور السيئة التي تنتج عن الغضب وتسبب الويلات الاجتماعية وانفصام
عرى الأسرة وتحطم كيانها ، هو الطلاق ، واسأل أكثر الذين يطلقون نساءهم
كيف طلقوا ومتى ، فسينبئونك : لقد كانت لحظة غضب .
فينتج عن ذلك تشريد الأولاد ، والندم والخيبة ، والعيش المر ، وكله
بسبب الغضب ، ولو أنهم ذكروا الله ورجعوا إلى أنفسهم ، وكظموا غيظهم
واستعاذوا بالله من الشيطان ما وقع الذي وقع ولكن مخالفة الشريعة لا تنتج
إلا الخسار .
وما يحدث من الأضرار الجسدية بسبب الغضب أمر عظيم كما يصف الأطباء
كتجلط الدم ، وارتفاع الضغط ، وزيادة ضربات القلب ، وتسارع معدل التنفس
، وهذا قد يؤدي إلى سكتة مميتة أو مرض السكري وغيره ، نسأل الله العافية .
11- تأمل الغاضب نفسه لحظة الغضب:
لو قدر لغاضب أن ينظر إلى صورته في المرأة حين غضبه لكره نفسه ومنظره
، فلو رأى تغير لونه ، وشدة رعدته ، وارتجاف أطرافه ، وتغير خلقته ،
وانقلاب سحنته ، واحمرار وجهه ، وجحوظ عينيه وخروج حركاته عن الترتيب
وأنه يتصرف مثل المجانين لأنف من نفسه ، واشمأز من هيئته ، ومعلوم أن
قبح الباطن أعظم من قبح الظاهر ، فما أفرح الشيطان بشخص هذا حاله !
نعوذ بالله من الشيطان والخذلان .
12- الدعاء :
هذا سلاح المؤمن دائماً يطلب من ربه أن يخلصه من الشرور والآفات والأخلاق
الرديئة ، ويتعوذ بالله أن يتردى في هاوية الكفر أو الظلم بسبب الغضب ،
ولأن من الثلاث المنجيات : العدل في الرضا والغضب صحيح الجامع 3039 كان
من دعائه عليه الصلاة والسلام : ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق
أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي ،
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا
والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيماً لا ينفد ، وقرة عين
لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك
لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة
، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ) . رواه النسائي في
السنن 3/55 والحاكم وهو في صحيح الجامع 1301 .
وسلامتكم
اخوكم
عاشق454سراب