كنا نتمنى ونأمل بأن يكون الورم حميداً لكنه خيب أملنا
أنا آسف كنت أتوقع نتيجة أخرى قال الطبيب
قلت نأخذه للخارج ونعالجه هناك، نظر إلي قائلاً لا أنصحك بذلك فإنها قصة
أشهر قليلة جداً لن يستطيع أحد ان يساعده فأنتم فقط سوف تزيدون من عذابه
وآلامه لكن ان اردت تستطيع ان تعرض الصور والتحاليل والتقارير على أطباء
غيري لكن تلك الأمراض لا مجال للشك بها، الأمر يعود لك، سار طارق
وهو يفكر بوالده المسكين الذي لم يعرف عن مرضه شيئاً كان يظن بأن سبب الدوار
وألم الرأس الذي يشعر به هو من أذنيه كما قيل له لم يفكر للحظة بأن ذاك المرض
الخبيث قد ضرب ضربته القاضية ولم يكتشفوا الأمر إلا عند نهايته ومع
انه إنسان مثقف ومتابع جيد لكل ما يجري في العالم لكن الله سبحانه تعالى
يعمي بصيرة الانسان فلا يتوقع بأنه مصاب بمرض مميت وكما قلت لكم فهو مثقف
وواع ويتابع كل المستجدات والأخبار السياسية منها والطبية كان الأول بين أترابه
الذي ابتاع حاسوباً وأصر أن يواكب العصر فكان يدخل إلى مواقع كثيرة ومنتديات
كان يقول لنا من لا يعرف دخول الانترنت والعمل على الكمبيوتر يعتبر أمياً في
هذه المرحلة، صحيح إنني أتحدث عن والدي يقول طارق وستفكرون ان كل واحد
منا يرى والده الأعظم والأهم في العالم لكنها الحقيقة فهو لا يشبه باقي
الآباء بشيء فقد تزوج والدتي حين كان في التاسعة عشرة وكانت تصغره
بأربعة أعوام، كان طالباً مجتهداً وأصر على إكمال دراسته مع انه كان يساعد
والده تاجر العطور في السوق القديم فسافر إلى بريطانيا ليتخصص بإدارة الأعمال
كان يأتي عند كل إجازة أو نهاية فصل لرؤيتي وأمي، فقد كنت متعلقاً جداً به
وكنت أقطع الطعام لعدة أيام عندما يسافر، كنت عندما اسمع صوت طائرة أقول
لوالدتي لقد أتى أبي وعندما اسمع رنين جرس المنزل اركض وأنا أقول لقد أتى والدي
، كان جدي يتأثر بردات فعلي وتعلقي الكبير به وكان كلما يكلمه يخبره ويقول عد يا بني
فالدكان ملك لك سواء حصلت على شهادة او لم تحصل فولدك بحاجة لك ويفقد كثيراً
من وزنه عندما تسافر وتتركه، المهم ان والدي أكمل ما بدأ وعاد ليوسع أعماله
ويصبح من أكبر تجار العطور والبخور ودهن العود فقد كان يدرس في
أوقات فراغه كيفية مزج الورود وتحويلها إلى عطور فبرع بها أيضاً كان
متميزاً بخلطة خاصة بالبشرة فتحولها إلى ملمس من حرير مع رائحة عطرة جداً
تستطيع ان تشمها عن بعد وخصوصاً بعد وضع العطر الخاص بها معها
وكم كانت زكية تلك الرائحة تدغدغ الحواس، لا زالت رائحتها في أنفي لغاية الآن
كان اسمه قد انتشر في الإمارات السبع وكان يقصدنا جميع التجار والناس
الذين سمعوا عن براعته التي كادت ان توازي العطارين الفرنسيين، كان يفرح في
كل مرة يكتشف بها عطراً جديداً وكانت والدتي وعمتي هما حقل تجاربه
في عالم العطور، هكذا كنا نعيش بفرح وسعادة بمنزل ممتلئ بروائح الورود
التي زرعها في أرجاء الحديقة فكان شكلها يضفي عليها متعة للنظر ويبعث
على الهدوء والسكينة، عشت بتلك السعادة مع شقيقاتي وشقيقي الذي يبلغ الآن
من العمر خمس سنوات والذي أحزن بشدة عندما انظر إليه فهو لن يعيش
مع ذلك الأب الرائع ولن يتمتع بحنانه وحبه للحياة وبسمته الدائمة التي
لا تفارق شفتيه.. ماذا أقول له عن والدي عندما يكبر، فقررت ان امسك جهاز
الفيديو وأصور كل لحظة من الوقت المتبقي له لأهديها لشقيقي عندما يكبر ليرى
والده كم كان عظيماً وكم كان طيباً سعيداً وحنوناً، لم استطع ان أتقبل فكرة فقدانه
خاصة وهو لم يبلغ الخامسة والأربعين، أستغفر الله العظيم سامحني يا الله لكن
الموت رهيب جداً خاصة عندما تعرف به وتنتظره، كنت أسير دون أن اعلم
إلى أين وأنا أفكر كيف سأخبر والدتي بأن شريك عمرها وحب حياتها سوف
يتركنا بعد أشهر قليلة.. كيف ابلغ شقيقاتي خاصة التي تحضر لزفافها في الصيف
بعد انتهاء الجامعة.. كيف أخفي عنه الأمر فهو كما سبق وأخبرتكم مثقف ولماح
احترت بأمري فأنا صحيح بلغت الخامسة والعشرين لكنني شعرت بأنني طفل
صغير لا يستطيع ان يقرر وحده كيفية القيام بأمور أكبر منه، كنت بحاجة ماسة
له لأنني ألجأ إليه في كل أموري فكان يرشدني وينصحني ويقويني.. أنا على
وشك فقدان سندي والصدر الحنون شعرت وكأنني أغرق وخشبة الخلاص
الوحيدة تبعد عني حتى أكاد لا أراها، وجدت نفسي ودون أن اعرف كيف
أمام منزل عمي، وعندما فتح الباب لي ارتميت بين أحضانه وأنا ابكي كالأطفال
امسكني قائلاً بخوف ماذا جرى؟.. أخبرته عن والدي رأيت الدموع تترقق في
عينيه.. دعاني للدخول وناقشنا الموضوع بوعي وقررنا ان نجعل تلك الفترة
المتبقية من اسعد أيام حياته وأيضاً قررنا ألا يعلم أحد بذلك خصوصاً والدتي
لأنها لم تكن لتمسك نفسها أمامه، بسرعة أقمنا فرحي على ابنة عمي وفرح
شقيقتي على من اختارته زوجاً في نفس اليوم وسط دهشة الجميع للسرعة التي
جرى بها الأمر فقلنا بأننا سنسافر مع والدي للعلاج في الخارج لذلك أسرعنا
بالموضوع، كانت سعادة والدي الحبيب لا توصف بنا، لكن كلمة أحفادي
ومتى سأراهم تعذبني وتقتلني.. كنت أتمنى لو أنني سمعت منه عندما طلب مني
الزواج قبل عدة أعوام ولكنني قررت إنهاء دراستي قبلاً معللاً ذلك لصغر
سني وأني لا أريد ان افعل مثله وأتزوج باكراً لو كنت فعلتها لرأى أحفاده قبل
ان يصبح بجوار ربه، عاش والدي بعد زواجنا شهراً واحداً قبل ان يفارقنا عندما
اقترب من شقيقي الصغير وأخذه بين ذراعيه ليرفعه إلى أعلى كما كان يفعل دائماً
معنا لكنه سقط من بين يديه وسقط هو أيضاً أسرعنا إليه فنظر إلينا بنظرة حزينة
قائلاً لشقيقي آسف، حملته بين ذراعي إلى اقرب كنبة فهمس لي في أذني آن الأوان
لأودعكم، نظرت إليه بتعجب وارتباك فقال لي هل عندك شك بذكائي؟ فأنا أعلم
ما بي منذ فترة طويلة عندما بدأ جسمي ينحل ونظري يخف ويزغلل والدوار
لا يتركني ارتاح كثيراً فقد كنت أمثل النوم أمامكم عندما يأتي الدوار اللعين
لكنني أريد أن أشكرك لأنك حولت تلك الفترة المتبقية إلى سعادة حقيقية، كما أشكرك
لأنك لم تخبر والدتك وشقيقاتك، لكنني كنت أحزن للحمل الثقيل الذي حملتك
إياه فاعذرني يا ولدي لن أوصيك بهم فأنت اثبت لي بأنك رجل بحق أخرج
الآن وناديهم لأودعهم، ابتعدت عنه كالمجنون وخرجت راكضاً إلى زاوية
في الحديقة قرب وروده المفضلة وبقيت هناك
لحين سماعي صراخ أمي وبكاء شقيقاتي
قبلت يدي والدي ورأسه قبل أن نحمله إلى مثواه الأخير حيث سيوارى الثرى
وأنا اشكر الله لأنه لم يطل عذابه وآلامه واستغفره على الأيام التي كنت ارفض
واقع موته، مع أنه منحني الوقت لأكون معه وأودعه كما أريد
فاستفيدوا أعزائي من كل لحظة مع آبائكم قبل أن تودعوهم الوداع الأخير
وتندموا على كل لحظة كنتم فيها معهم
ولم تعرفوا قيمتها أطال الله بعمرهم فهم أغلى الناس
تحياتي للجميع
عاشــــــــــق454ســــــــراب